تمكين المرأة والشباب

تسخير إمكانيات النساء والشباب في عالم ما بعد الجائحة

صاحبة السمو الملكي الأميرة لمياء بنت ماجد آل سعود
الأمين العام لمؤسسة الوليد للإنسانية

بينما نتحرك نحو عالم ما بعد الجائحة، تحول التركيز العالمي إلى ما سيكون عليه “الوضع الطبيعي الجديد”. تعمل المنظمات على إعادة تشكيل ثقافة عملها، ومن المقرر أن تصبح التدابير الصحية الوقائية جزءاً من حياتنا اليومية، وأن تستمر التكنولوجيا في توفير جوهر الحياة الطبيعية. خلال هذا الوقت، بدأت الحكومات في جميع أنحاء العالم بتنفيذ خطط التعافي الاقتصادي التي وضعتها. ومع ذلك، أصبح من الواضح جداً أن الأمن الاقتصادي غير متكافئ، حيث يتحمل الشباب والنساء العبء لمثل هذه الأزمات الاقتصادية.

من المتوقع أن تؤثر التداعيات الاقتصادية لهذه الأزمة على حوالي 1.5 مليار عامل من مختلف المجالات في جميع أنحاء العالم، مع إمكانية فقدان أكثر من 195 مليون وظيفة، وفقًا لما أفادت به منظمة العمل الدولية. وهذا بدوره سيؤثر سلبًا على بعض المجموعات أكثر من غيرها، وبالأخص، الأشخاص الذين يعملون في وظائف لا تتمتع بالقدر الكافي من الحماية وذات الأجور المنخفضة مثل النساء والأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 25 عامًا.

على الرغم من أهمية المطالبة على تطبيق التباعد الاجتماعي والحجر الصحي، إلا أنها أثرت بشكل مباشر على القطاعات التي تعتمد على التعامل بين العملاء والموردين، ومنها المطاعم والفنادق وتجارة التجزئة ووسائل النقل. ووفقاً لمعهد الدراسات المالية، وهو مركز مقره المملكة المتحدة، فإن النساء العاملات في القطاعات التي أُجبرت على الإغلاق تشكل نسبهن أكثر من الثلث مقارنةً بالذكور. في حين أن العمال تحت سن 25 عامًا أكثر عرضة مرتين ونصف للعمل في أحد هذه القطاعات. وأدى التمثيل الزائد لكل من النساء والشباب في هذه القطاعات إلى زيادة ضعفهم خلال الأزمة.

مع بدء هذه القطاعات في الاستغناء عن القوى العاملة لديها أو تقليص عددهم بشكل كبير، فإن النساء والشباب معرضون للتأثر بهذه التداعيات. وفيما يخص الشباب، فأن جائحة كوفيد-19 أثرت بشكل عام على تعليمهم وفرصهم الاقتصادية وإمكانية وصولهم إلى الموارد والصحة والرفاهية. وخلال فترة التعافي القادمة، ستتعرض هذه الفئات لضغوطات لإجبارهم على الموافقة على ظروف عمل غير مستقرة لا توفر لهم الحد الكافي من التباعد الاجتماعي. وهذا سيشكل ضغطاً كبيراً على الشابات اللاتي ينتمين إلى أقليات أو خلفيات منخفضة الدخل.

أما عن النساء، فقد تضررن بشدة من هذه الأزمة، مما أدى إلى تفاقم مشاكل عدم المساواة. وصدرت تقارير عديدة تفيد عن زيادة حوادث العنف المنزلي بشكل كبير. كما تشكل النساء نسبة كبيرة من العاملين في خطوط الدفاع الأولى المعرضين لخطر الإصابة بالمرض. بالإضافة إلى تولي مسؤوليات رعاية الأطفال والواجبات المنزلية. وقد قامت بعض المؤسسات والشركات بالطلب من الموظفات فقط، دون الموظفين الذكور، بتقديم إجازات أمومة أو إجازات من غير راتب بهدف تخفيف الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها. ومع وجود الفجوة الحالية في الأجور والمدخرات، يمكن أن يؤدي هذا إلى آثار اقتصادية طويلة الأمد ومعاناة القوة العاملة من النساء من عدم التمتع باستقرار مالي. لقد سلطت الجائحة الضوء على تحديات كبيرة من عدم المساواة الموجودة التي تؤثر على النظم الاجتماعية والاقتصادية هدفها تلبية احتياجات وحماية من هم بحاجة.

ومع ذلك، فإن الصدمة التي أحدثها الوباء لا يجب أن تعزز فكرة مستقبل اقتصادي غير مستقر. فلدينا الآن القدرة على إحداث وقيادة التغيير الاجتماعي والاقتصادي الدائم. ويجب أن تؤدي خططنا لإنعاش الاقتصاد إلى عالم أكثر مرونة وتساوي، الأمر الذي سيساعد في تخفيف الأزمات المستقبلية. ستكون فئتي النساء والشباب مهمتين لتعافي المجتمعات في جميع أنحاء العالم. ومن المهم أن تعترف الحكومات والمنظمات غير الحكومية بأهمية خطط الاستجابة التي تهدف إلى الإدماج والتمثيل الاجتماعي والاقتصادي.

نحن بحاجة إلى إعادة تصور مستقبل أفضل. ففي جميع أنحاء المنطقة والعالم، رأينا منظمات خيرية محلية تدعم الأشخاص المحتاجين بشكل فوري. ومع ذلك، فإننا نعلم أن هناك دورًا أكبر يمكن أن تلعبه المؤسسات الخيرية في دعم النساء والشباب، حيث أن الاقتصادات تعيد تنظيم توجهاتها. في الوليد للإنسانية، يعد تمكين النساء والشباب أحد ركائزنا الرئيسية. وندرك أن الإمكانات غير المحدودة للنساء والشباب تساعد في بناء عالم أفضل. في ضوء جائحة كوفيد-19، لا يقتصر عملنا على المبادرتين للاستجابة لحالات الطوارئ لتلبية الاحتياجات العاجلة فقط، ولكن الأهم من ذلك أن ننظر أيضًا في تدابير تخفيف القيود طويلة الأمد. وهذا يشمل العمل معًا لإزالة الحواجز التي تحول دون الوصول إلى الوظائف والتدريب وتسخير إمكانيات النساء والشباب ليكونوا عوامل للتغيير. على سبيل المثال، رأينا من خلال شراكتنا مع منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة أن جائحة كوفيد-19 قد أثرت بشكل كبير على معيشة النساء والشباب في القطاع الغير الرسمي في بعض البلدان الأكثر تضرراً في أفريقيا. وواجهت هذه البلدان أيضاً صعوبة في تلبية الطلب على معدات النظافة والحماية، وقد حددنا الحاجة إلى تعزيز القدرات المجتمعية والمحلية. ومن خلال القيام بذلك، دعمنا النساء والشباب بالموارد المطلوبة اللازمة للقيادة داخل القطاع واكتساب مهارات جديدة والحصول على قدر أكبر من التمكين الاقتصادي. ومن المتوقع أن يؤثر ذلك بشكل إيجابي على حياة 32 ألف أسرة في 10 دول أفريقية.

ولقد عملنا أيضاً مع معهد جبل الفيروز من خلال تقديم الفرص الفنية والتقنية والاقتصادية للنساء في أفغانستان وميانمار والمملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية. ونحن نحرص على توفير الأدوات والموارد اللازمة لتطوير أسواق الحرف اليدوية ودعم الحرفيين للوصول إلى فرص تجارية جديدة. ويجب اعتبار المبادرات طويلة الأمد ذات التأثير الملموس عنصرًا رئيسيًا لخطط التعافي الاقتصادي العالمي، لتكون فعالة وشاملة ومستدامة بشكل كامل.

يعد بناء شبكات مجتمعية قوية أمراً ذا أهمية كبيرة. معًا، يمكننا استكشاف الثغرات الحالية في أحكامنا الاجتماعية في جميع أنحاء العالم وتصميم برامج تقوم بالتعرف على الصناعات غير الرسمية والوظائف الأساسية ووضع قيمة لها، وتوفير المزيد من الدعم الاجتماعي والاقتصادي، وتمكين ريادة الأعمال وتعزيز عالم يحث على المساواة. تلعب إعادة تعليم النساء والشباب في جميع أنحاء العالم دورًا مهمًا، فمن خلال تطوير برامج التدريب لإعادة المهارات والتدريب والتمكين، سيكون بإمكاننا تهيئتهم لوظائف المستقبل.

عندما نقلل من أهمية النساء والشباب في نظامنا الاقتصادي، فإننا لا نعيق انتعاش مجتمعنا الجماعي فحسب، بل نعيق الأنظمة عن الاستعداد للأزمات المستقبلية. ومع تغير العالم بشكل جذري، فنحن أمام فرصة فريدة لتشكيل المستقبل الذي يستحقونه هؤلاء الشباب والنساء، من خلال استجابة اجتماعية واقتصادية من شأنها دعمهم وتمكينهم في جميع أنحاء العالم.

عندما نقلل من أهمية النساء والشباب في نظامنا الاقتصادي، فإننا لا نعيق انتعاش مجتمعنا الجماعي فحسب، بل نعيق الأنظمة عن الاستعداد للأزمات المستقبلية.