2026-01-18

2026: العمل الإنساني كقوة عالمية للتغيير

م. نجلاء الجعيد
نائب للأمين العام

نقف اليوم في مؤسسة الوليد للإنسانية، أمام فرص جديدة من الإمكانيات، منطلقين من مسيرة تمتد لأكثر من 45 عاماً من الالتزام الراسخ والإيمان العميق بالإمكانات البشرية. إن التحديات التي تواجه عالمنا اليوم مترابطة وتتطلب استجابات فاعلة تجمع بين الرؤية المشتركة والعمل الجماعي. ومع دخولنا عام 2026، نجدد تأكيدنا على جوهر رسالتنا: العطاء ليس مجرد فعل، بل قوة تحويلية تقوم على التمكين، وتعزز الابتكار، وتُبنى من خلال شراكات فاعلة.

يستند عملنا إلى التعاون المثمر مع المجتمعات حول العالم، باعتبارها شركاء حقيقيين في صناعة التغيير والتنمية. نحن نمكّن المرأة والشباب، ونعزز الحوار والتفاهم بين الثقافات، ونطوّر المجتمعات، وندعم الاستدامة البيئية، ونستجيب للأزمات، وحلول تعزز الاستدامة البيئية. ومن خلال هذا الإطار، نبني تأثيرَا مستدامَا قائمًا على الثقة والعمل المشترك.

نركز على المبادرات العملية التي تستجيب للاحتياجات الحقيقية للمجتمعات، وتعزز الاستقرار، وتتيح فرصًا مستدامة. في المملكة العربية السعودية، يوفر مشروعي الإسكان والسيارات، بالشراكة مع وزارة البلديات والإسكان ومؤسسة سكن، 10,000 منزل و10,000 سيارة للأسر الأكثر حاجة، مستفيدًا منها حتى الان أكثر من 70,000 شخص. وبناءً على هذا النموذج، وسعنا البرنامج إلى مصر بالشراكة مع مؤسسة مصر الخير لدعم 10,000 أسرة والوصول إلى أكثر من 36,000 شخص، مؤكدًا قدرة النماذج المحلية الفعالة على تحقيق أثر في مجتمعات مختلفة.

وعلى الصعيد الصحي، نركز على دعم برامج التطعيم للأطفال حول العالم من خلال شراكتنا مع اليونيسف، حيث ساهمنا في تقديم التطعيم لأكثر من 54 مليون طفل للقضاء على الحصبة والحصبة الألمانية، بما يعزز صحة المجتمعات ويضمن حماية الأجيال القادمة، في إطار التزامنا بحلول صحية عالمية مستدامة.

التمكين جوهر كل ركيزة من ركائز عملنا. يبدأ التغيير المستدام من العمل الجماعي والشراكات الفاعلة، حيث تنطلق كل مبادرة بالتزام واضح: التعاون مع منظمات محلية تدرك احتياجات مجتمعاتها، والتواصل مع جهات دولية تجلب الخبرات العالمية لضمان ملاءمة المشاريع وفاعليتها وأثرها الطويل الأمد.

نفخر بمشروع تمكين الحرفيات السعوديات والحفاظ على التراث الوطني، حيث مكن المشروع أكثر من 3,500 حرفية، وربطهن بالأسواق، ورفع جودة منتجاتهن مع الحفاظ على التراث الوطني. يتجاوز البرنامج تحقيق الدخل ليعزز الهوية الثقافية ويربط الحِرف المحلية بالأسواق العالمية. كما امتدت المبادرة بالشراكة مع مؤسسة الجبل الفيروزي لتمكين أكثر من 10,000 حرفية وحرفي في فلسطين وأفغانستان وميانمار والسعودية، مؤكدَا أن التمكين الحقيقي ينبع من واقع المجتمعات التي نخدمها.

كما تأتي شراكتنا مع منظمة أشوكا الوطن العربي لتعزيز ريادة الأعمال الاجتماعية بين الشابات والشباب في المملكة العربية السعودية ومصر والمغرب، حيث وصل إجمالي المستفيدين المباشر وغير المباشر من برامجها إلى أكثر من 30,000 شخص، بما يعكس التزامنا بالابتكار وتمكين المرأة والشباب كركيزة أساسية للأثر المستدام.

نؤمن بأن التغيير الدائم يُبنى عبر علاقات تجمع بين الرؤية المحلية والوصول العالمي. في قلب شبكة الوليد الثقافية تكمن قوة الحوار، حيث تجمع بين مراكزنا الأكاديمية في أبرز الجامعات العالمية والمفكرين من مختلف أنحاء العالم. من خلال إبراز القيم المشتركة، توفر الشبكة منصة لتعزيز التفاهم والعمل نحو مجتمع عالمي أكثر وحدة قائم على الاحترام المتبادل والإنسانية المشتركة. تضم الشبكة حاليًا 13 عضوًا مرموقًا، بما في ذلك: جامعة هارفارد، جامعة جورجتاون، جامعة كامبريدج، جامعة إدنبرة، الجامعة الأمريكية في بيروت، الجامعة الأمريكية في القاهرة، مؤسسة الجبل الفيروزي، متاحف جامعة أكسفورد، متحف الفن الإسلامي في برلين، جامعة نيويورك أبو ظبي، ومنظمة الكشافة العالمية، وقد تجاوز عدد زوار الموقع الإلكتروني للشبكة أكثر من 400,000 زائر.

تساهم شراكاتنا مع متاحف عالمية مرموقة في بناء جسور بين الثقافات، وتعزيز الشمولية، وإثراء تجارب الملايين حول العالم. في متحف الفن الإسلامي في برلين، ندعم أعمال الترميم والتوسعة، إلى جانب برامج تعليمية وتدريب اللاجئين والقادمين الجدد ضمن مشروع "ملتقى" ليصبحوا مرشدين ثقافيين، بما يسهم في الحفاظ على التراث وإتاحة فهم أعمق للفنون الإسلامية.

وفي أكسفورد، يستخدم مشروع "ملتقى" أكسفورد القائم في متحف تاريخ العلوم ومتحف بيت ريفرز المجموعات الثقافية لبناء المجتمع، لا سيما بين اللاجئين والعائلات الوافدة، عبر الفن والتعلم المشترك.

أما في متحف اللوفر في باريس، فقد شهد قسم الفن الإسلامي تحولًا ملموسًا من خلال إنشاء مساحات تعليمية ومعارض جديدة، وابتكارات مثل "خزانة المفاتيح" التي تبرز غنى التراث الإسلامي أمام ملايين الزوار الدوليين، مع التركيز على تجربة تعليمية تفاعلية وثراء ثقافي مستدام.

نعمل على تعزيز بيئات أكثر نقاءً وصحة من خلال مشاريع مبتكرة تشرك المجتمعات المحلية والشركاء العالميين. نركز على تمكين المجتمعات، مع تقديم حلول ملموسة تحقق أثرًا مباشرًا على حياتهم وبيئتهم.

قمنا بالتعاون مع مؤسسة بيل غيتس في صندوق مشروع الطاقة النظيفة لتطوير تقنيات طاقة مبتكرة لمواجهة تحديات تغير المناخ. منذ عام 2016، دعم الصندوق أكثر من 61 شركة ناشئة في قطاعات رئيسية مثل الزراعة المستدامة والنقل النظيف، مسهمًا في بناء مستقبل أكثر استدامة.

ومن المبادرات الملهمة أيضًا، برنامج إعادة تدوير المنسوجات في الهند بالشراكة مع ENVIU وCAIF، الذي وفر فرص تدريب وتشغيل للنساء في مجالات الاقتصاد الدائري، وساهم في تقليل النفايات وتعزيز ممارسات الاستدامة البيئية والاجتماعية لأكثر من 600 مستفيد.

كما أطلقنا، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في تونس، مشروع تعزيز الاستدامة في إدارة النفايات، الذي مكّن النساء من لعب دور رئيسي في جمع وتصنيف النفايات وتحويلها إلى منتجات معاد تدويرها، محققًا أثرًا بيئيًا ملموسًا وموفرًا فرص دخل مستدام، ويخدم المشروع أكثر من 60,000 مستفيد.

تُختبر قوة مرونتنا الحقيقية في مواجهة الأزمات، ويظل التزامنا راسخاً. تتطلب الاستجابة للكوارث الجمع بين العمل السريع وبناء القدرات المحلية على المدى الطويل لتعزيز التعافي. يقود كل تدخل شركاء محليون على دراية بالاحتياجات الفورية، بدعم من شركاء دوليين يوفرون الموارد ويعززون فعالية التدخل لضمان أثر مستدام.

عقب زلازل سوريا وتركيا، قمنا بالمساهمة في تقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية، والصحة النفسية، والرعاية الاجتماعية، وإعادة تأهيل ذوي الإعاقة، وتوفير الإمدادات الطبية، وترميم البنية التحتية للمياه. كما تلقى العاملون في مجال الرعاية الصحية تدريباً لتقديم رعاية متكاملة، ما عزز كلاً من الاستجابة للطوارئ والتكيف مع التحديات المستقبلية.

وخلال جائحة كوفيد-19، أطلقنا بالتعاون مع الإيسيسكو خمس قوافل في المغرب، السنغال، ساحل العاج، النيجر، وبوركينا فاسو، لتعزيز الاستجابة الوطنية وتوصيل الإمدادات الطبية الأساسية، ودعم الإنتاج المحلي لمعدات الوقاية، وبناء القدرات المستدامة، مع التركيز على تحسين الرصد وتقديم الرعاية ودعم الاقتصادات المحلية المتأثرة بالجائحة.

في مؤسسة الوليد للإنسانية، نرى العمل الإنساني ليس مجرد تقديم الدعم، بل تمكين الأفراد والمجتمعات ليصبحوا شركاء حقيقيين في صناعة التغيير. كل مشروع، وكل شراكة، وكل فرصة نوفرها تهدف إلى تحقيق أثر ملموس ومستدام، يوازن بين الاحتياجات المحلية والخبرة العالمية، ويضع المجتمعات في قلب الحلول.

نجاحنا يُقاس بالفرص التي نوفرها، وبالأثر الذي يظهر في حياة الناس، وبالشراكات التي تضاعف تأثير جهودنا على نطاق واسع. من تمكين المرأة والشباب، وتعزيز تنمية المجتمعات، والاستدامة البيئية، والاستجابة للكوارث، يمتد تأثيرنا ليصل إلى أكثر من 1.5 مليار مستفيد في أكثر من 190 دولة.

مع دخول عام 2026، نؤكد التزامنا المستمر بالتمكين والابتكار والعمل الجماعي، ونتطلع إلى مستقبل يشهد فيه كل فرد، في أي مكان، القدرة على استثمار إمكاناته والمساهمة في بناء عالم أكثر شمولاً وأملاً. نرى في العمل الإنساني قوة دافعة للتغيير العالمي، ونسعى نحو آفاق واعدة حيث تصبح حلولنا المستدامة والشراكات الفاعلة معيارًا للتغيير، والمجتمعات شريكًا حقيقيًا في تحقيق تطلعاتها ومستقبلها.